يفكك ماركو كارنيولوس في هذا المقال التحوّل الجذري الذي يشهده النظام الدولي مع التدخل الأميركي في فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، معتبرًا أن ما يُسمّى «النظام العالمي القائم على القواعد» لفظ أنفاسه الأخيرة. يربط الكاتب هذا السقوط بصمت الحلفاء الأوروبيين وعجزهم عن الدفاع عن القانون الدولي، وبعودة صريحة إلى منطق مناطق النفوذ الذي حكم القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين.

 

ينشر ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق دولي مضطرب، حيث تتقاطع الهيمنة الأميركية مع تراجع الدور الأوروبي، وتتصاعد سباقات الموارد، وتتآكل التحالفات التقليدية، ما يفتح الباب أمام فوضى ممتدة لا انتقالًا منظمًا.

 

من «القانون الدولي» إلى «قواعد انتقائية»

 

يشرح الكاتب كيف صاغت دوائر سياسية غربية مفهوم «النظام القائم على القواعد» بديلًا أخفّ إلزامًا من احترام القانون الدولي. يفرض هذا المفهوم قواعد فضفاضة على الجميع باستثناء الديمقراطيات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. يبرز العقدان الأخيران ازدواجية المعايير بوضوح، سواء في المقارنة بين تعامل الغرب مع روسيا وإسرائيل، أو في الحالة الفنزويلية حيث يغيب الخطاب المعتاد عن «المعتدي والمعتدى عليه».

 

يشير المقال إلى أن العالم دخل ربع القرن الحادي والعشرين وسط فوضى متنامية، تعيد العلاقات الدولية إلى نموذج إمبريالي استعماري، حيث تتقدّم السيطرة على الموارد على مبادئ السيادة. يضع الكاتب فنزويلا في قلب هذا التحول، باعتبارها هدفًا مباشرًا لشهية واشنطن النفطية، مع تحذير من امتداد المنطق ذاته إلى كندا والمكسيك وغرينلاند.

 

«عقيدة دونرو» وعودة مناطق النفوذ

 

يستعيد الكاتب إرث «دبلوماسية الزوارق الحربية» ومفهوم مناطق النفوذ، ليؤكد أن الولايات المتحدة قنّنت هذا الارتداد عبر استراتيجيتها الأمنية الأخيرة. يعيد النص تسمية «مبدأ مونرو» إلى «عقيدة دونرو» في إشارة إلى إعادة تثبيت الهيمنة الأميركية الحصرية في نصف الكرة الغربي. ينسجم ذلك مع مطالبة واشنطن السلطات المؤقتة في فنزويلا باتباع تعليماتها، وفتح قطاع النفط أمام الشركات الأميركية.

 

ينتقد المقال الذرائع الأميركية، مثل مكافحة تهريب المخدرات، باعتبارها انتقائية؛ إذ يتجاهل الخطاب الرسمي مصادر أكبر للمخدرات والهجرة، ويتغافل عن السؤال الجوهري داخل الولايات المتحدة حول أسباب تفشي الإدمان. يوسّع الكاتب دائرة «التهديد» لتشمل كوبا، ويرجّح إدراج البرازيل طالما حكمتها قوى يسارية، مقابل «تطبيع» الأرجنتين عبر ربطها بقيود مالية أميركية.

 

ناتو على المحك وفوضى إقليمية متسعة

 

ينتقل التحليل شمالًا ليحذّر من تداعيات شهية واشنطن تجاه كندا وجرينلاند، الخاضعة لسيادة حليف أطلسي. يوضح أن أي تحرك ضد حلفاء كهؤلاء قد يفرغ حلف الناتو من مضمونه العملي. يلفت الكاتب إلى مفارقة أساسية: تطالب الولايات المتحدة بحقها في مناطق نفوذ، لكنها ترفض الاعتراف بالمثل للصين في شرق آسيا أو لروسيا في شرق أوروبا، في ازدواجية «مضخّمة».

 

يتناول المقال احتمالات التفاوض حول أوكرانيا، وإمكانية اعتراف واشنطن بنفوذ روسي، مع بقاء أوروبا على الهامش. يناقش كذلك تراجع حدّة الخطاب المعادي للصين، واعترافًا أميركيًا بقربها الاقتصادي. في المقابل، تتشكل مناطق نفوذ أصغر: توسّع إسرائيلي في سوريا ولبنان مع توظيف اتفاقات إقليمية، تقارب مع الإمارات وأذربيجان، وصعود دور تركي محتمل بدعم قطري في ليبيا وسوريا والعراق، مع طموح للتأثير في غزة ولبنان.

 

يقرع الكاتب أجراس الإنذار في الرياض، مشيرًا إلى تحركات سعودية في اليمن وتنسيق متزايد مع باكستان. يتناول وضع إيران التي تواجه اضطرابات داخلية، ويرجّح احتفاظها بأركان محدودة من «محور المقاومة» مع خسارة سوريا. يخلص المقال إلى تهميش أوروبي متزايد، مع تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا وفشل «بريطانيا العالمية» بعد بريكست.

 

يرى الكاتب أن العالم يشهد أخطر تحوّل في النظام الدولي منذ قرن تقريبًا. تتقدّم سباقات الموارد تحت ستار مناطق النفوذ، ويهدد ذلك استقرارًا عالميًا هشًا. يلمّح النص إلى حاجة ملحّة لمؤتمر دولي على شاكلة «يالطا» حديثة، حيث يتحدد من يجلس إلى الطاولة ومن يصبح موضوعًا عليها، مع ترجيح مؤلم بأن تجد أوروبا نفسها على القائمة لا بين صانعي القرار.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/maduros-abduction-rules-based-world-order-officially-dead